قد يمنح هذا البند الولايات المتحدة صلاحية استبعاد مورّدي تكنولوجيا الاتصالات الصينيين في الدول الموقِّعة على الاتفاقيات
نُشر في الأصل في Global Voices الأصوات العالمية

صورة معدلة باستخدام تطبيق كانفا بواسطة: إحسان كامل/مؤسسة “إنچيج ميديا”. تستخدم بإذن مسبق.
نُشر هذا المقال في الأصل بقلم ريشاب بايلي وباباسيري “نان” سوتيسوم على بابليك سيتيزين وإنچيج ميديا – وهي منظمة غير ربحية متخصصة في الإعلام والتكنولوجيا والثقافة – وأُعيد نشر نسخة مُحرّرة منه هنا كجزء من اتفاقية مشاركة المحتوى. ويُعد أيضًا جزءًا من سلسلة تقارير جلوبال فويسز لشهر أكتوبر/ تشرين الأول 2026 تحت عنوان “التقنيات الكبرى والاستبداد”. يمكنك دعم هذه التغطية عبر التبرع من هنا.
لا يمتلك شخص واحد من كل ثلاثة أشخاص حول العالم وصولًا موثوقًا إلى الإنترنت. ويخلق التفاوت في الوصول إلى الشبكة فجوات رقمية من شأنها الحد من المشاركة المدنية وتقويض فرص الحصول على التعليم والرعاية الصحية، فضلًا عن تفاقم التفاوت الاجتماعي، كما يمكن أن يؤدي ذلك إلى الحد من الابتكار والنمو الصناعي والناتج الاقتصادي. كما يُنظر إلى تقليص الفجوات الرقمية على أنه أمر أساسي لتحقيق أهداف التنمية المستدامة للأمم المتحدة، وهو ما أكّد عليه الميثاق الرقمي العالمي لعام 2024.
مع ذلك، قد تتعرض هذه الأهداف للتهديد بسبب اتفاقيات التجارة المتبادلة المثيرة للجدل التي وقعتها الولايات المتحدة منذ فبراير / شباط 2025. حتى الآن، وقّعت واشنطن هذه الاتفاقيات مع 10 دول: ماليزيا وكمبوديا والسلفادور والأرجنتين والإكوادور وغواتيمالا وبنغلادش وتايوان والأردن وإندونيسيا فضلًا عن وجود اتفاقيات إطارية قيد التنفيذ مع عدة دول أخرى.
يتخلّل معظم هذه الاتفاقيات بندٌ يُلزم تلك الدول بالامتناع عن استخدام مورّدي تكنولوجيا المعلومات والاتصالات الذين قد يهددون أمان البنية التحتية للاتصالات وحمايتها وملكيتها الفكرية، بما في ذلك شبكات الجيل الخامس (5G) والسادس (6G) والأقمار الصناعية للاتصالات والكابلات البحرية. كما تفرض اتفاقيات التجارة المتبادلة مع كل من السلفادور وغواتيمالا وإندونيسيا وماليزيا شروطًا إضافية تُلزمها بالتشاور مع الولايات المتحدة لتحديد المورّدين الذين يستوفون هذه المعايير.
إن الهدف من هذا البند ببساطة منح الولايات المتحدة القدرة على استبعاد شركات توريد تكنولوجيا الاتصالات الصينية، مثل هواوي (Huawei) وزد تي إي (ZTE) من هذه الدول متى ما رغبت في ذلك. كما يمكن أن يعود هذا الإجراء بالنفع على شركات التوريد الأمريكية، مثل سيسكو (CISCO) وهيوليت باكارد (Hewlett Packard)، إلى جانب شركات أخرى.
يمنح هذا البند الولايات المتحدة نفوذًا واسعًا قد يؤدي إلى الحد بشكل كبير من نشر شبكات الاتصالات وتطويرها في الدول الموقِّعة في حال إساءة استخدامه، مما ينعكس سلبًا على الاتصال الرقمي ويزيد من اتساع الفجوات الرقمية ويُضعف النمو الاقتصادي.
هذا أمر بالغ الأهمية؛ لأن معظم الدول التي انضمت إلى اتفاقيات التجارة المتبادلة هي دول منخفضة الدخل تعاني من فجوات رقمية واسعة. على سبيل المثال، تبلغ نسبة انتشار الإنترنت نحو 53.4% في بنغلاديش و66.5% في السلفادور و72.8% في إندونيسيا و60.2% في غواتيمالا و68.5% في كمبوديا. ويترك هذا الوضع تداعيات كبرى على ربط البنية التحتية العامة الأساسية، لا سيما في المجتمعات الريفية؛ ففي إندونيسيا مثلًا تفتقر أكثر من 100 آلاف مدرسة للاتصال بالإنترنت بينما تُعد نحو 12% من المدارس في غواتيمالا محرومة من هذه الخدمة. أما كمبوديا فحالها أسوأ بكثير؛ إذ لا تملك سوى 22% من مدارسها حواسيب تعمل بكفاءة، ناهيك عن توفّر الإنترنت فيها.
يُعد غياب البنية التحتية اللازمة لتكنولوجيا الاتصالات أحد الأسباب الرئيسية لاستمرار الفجوات الرقمية؛ حيث قدّر الاتحاد الدولي للاتصالات وجود فجوة استثمارية بقيمة 1.6 تريليون دولار أمريكي في البنية التحتية لقطاع الاتصالات بحلول عام 2030.
وفي كثير من مناطق العالم النامي، نجحت الصين في سد فجوة الاستثمار في البنية التحتية للاتصالات جزئيًا من خلال القروض المُيسَّرة المُقدَّمة عبر طريق الحرير الرقمي (DSR)، والذي يُعد جزءًا من مبادرة “الحزام والطريق”. وعادةً ما تُمنح هذه القروض بأسعار أقل من معدلات السوق، وتكون مشروطة بالاعتماد على مورّدي تكنولوجيا الاتصالات الصينيين، كما أن حجم التمويل الممنوح تحت مظلة طريق الحرير الرقمي ضخم للغاية؛ فعلى سبيل المثال، فاقت تمويلات البنية التحتية للاتصالات الصينية في مختلف أنحاء إفريقيا إجمالي الأموال المقدّمة مجتمعة من الحكومات الإفريقية والوكالات متعددة الأطراف ودول مجموعة السبع (G7)، ويعود ذلك إلى عام 2017.
تجد الدول النامية نفسها اليوم محاصرة بين خيارات صعبة، مع اتضاح الأمر أكثر فأكثر بأن المساعدات والاستثمارات المالية الأجنبية نادرًا ما تُقدّم دون شروط مُسبقة، سواء جاءت من الصين أم من الغرب.
يمكن أن تشكّل قدرة الصين واستعدادها لتمويل وتطوير شبكات الاتصالات على نطاق عالمي عامل جذب كبير للدول النامية التي تواجه ضغوطًا مالية حادة. ومع ذلك، فإن الاعتماد المفرط على المعدات المستوردة ينطوي على تداعيات مُكلفة؛ على سبيل المثال، قد يؤدي هذا الاعتماد إلى خلق تبعيّة تكنولوجية من شأنها أن تُعيق نمو قطاع التكنولوجيا المحلي عبر تكريس الارتباط بالموردين الأجانب. كما سلّط كثيرون الضوء على احتمالية وجود عمليات مراقبة من دول أجنبية، أو زرع مفاتيح تعطيل داخل معدات الشبكات، مما يثير مخاوف حقوقية واقتصادية وأمنية في آن واحد. وبالمثل، يمكن استغلال المساعدات أو القروض التنموية لخدمة أهداف جيوسياسية خارجية.
ورغم ذلك، من الواضح أن المنافسين الأمريكيين والأوروبيين قد لا يمتلكون القدرة الكافية لتلبية الطلب المتنامي على معدات تكنولوجيا الاتصالات في مختلف أنحاء العالم النامي، ويرجع ذلك إلى أسباب عدّة تتراوح بين السيطرة الصينية على سلاسل التوريد للمكونات الحيوية اللازمة لإنتاج تلك المعدات وحجم الدعم الحكومي الضخم والأيدي العاملة الرخيصة، فضلًا عن المزايا التصنيعية التي تتمتع بها الشركات الصينية، وصولًا إلى سيطرتها على عدد كبير من براءات الاختراع الأساسية في تقنيات الجيل الخامس (5G) والتقنيات المرتبطة بها.
في الواقع، حاولت الولايات المتحدة استبعاد مورّدي تكنولوجيا الاتصالات الصينيين من شبكات الاتصالات المحلية التابعة لها لسنوات عديدة ولكن باءت محاولاتها بنجاح محدود؛ إذ تشير التقارير إلى أنه في الفترة من عام 2019 وحتى عام 2024 لم يُستبدل سوى 12% فقط من المعدات الصينية الموجودة في الولايات المتحدة فعليًا، ويوحي ذلك بأن مورّدي تكنولوجيا الاتصالات الصينيين متجذّرون بعمق في أنظمة الاتصالات الأمريكية، مما يجعل تكلفة استبدالهم باهظة للغاية وتفوق القدرة المالية على التحمُّل.
وعلى الرغم من عجزها عن استبدال المعدات الصينية في شبكتها الخاصة، فقد دفعت الحكومة الأمريكية العديد من حلفائها إلى تقييد وصول شركات تكنولوجيا الاتصالات الصينية إلى أسواقهم، لا سيما في الاتحاد الأوروبي. ومع ذلك، واجهت هذه الدول مشكلات مماثلة لتلك التي واجهتها الولايات المتحدة؛ فعلى سبيل المثال، أشارت المفوضية الأوروبية إلى أن المعدات الصينية قد تكون أرخص بنسبة تتراوح بين 60 و70 بالمائة مقارنة بنظيراتها الغربية، ويرجع ذلك غالبًا إلى الدعم المالي الضخم الذي تقدمه الحكومة الصينية. وعليه، فيُعد استبدال المعدات الصينية أمرًا بالغ الصعوبة عمليًا؛ إذ تشير بعض التقديرات إلى أن التكلفة الإجمالية لاستبدال معدات تكنولوجيا الاتصالات الصينية في الاتحاد الأوروبي عبر مختلف القطاعات قد تصل إلى نحو 430 مليار دولار أمريكي.
لهذا السبب تمثّل البنود الواردة في اتفاقيات التجارة المتبادلة والتي قد تقيّد استخدام معدات تكنولوجيا الاتصالات المصنّعة من قِبل الشركات الصينية إشكالية كبرى، فحتى لو أبدت الشركات الغربية رغبتها في سد الفراغ الذي ستخلّفه إزاحة الشركات الصينية فقد تعجز عن تحقيق ذلك بالسرعة الكافية أو بالتكلفة المعقولة أو بالقدر المطلوب من النطاق الواسع، لا سيما إذا عمدت الصين إلى قطع إمدادات المدخلات والتقنيات الحيوية عنها.
وخلاصة القول إن كل ذلك يعني أن وتيرة نشر شبكات تكنولوجيا الاتصالات الحديثة مثل الجيل الخامس (5G) والجيل السادس (6G) وما بعدهما قد تشهد تباطؤًا ملحوظًا في الدول التي وقّعت اتفاقيات التجارة المتبادلة مع الولايات المتحدة. بل وفي الواقع، فإن الدول التي تعاقدت مسبقًا مع الشركات المصنّعة الصينية لتطوير بنيتها التحتية للاتصالات قد تجد نفسها في مأزق حقيقي إذا أُجبرت على المفاضلة بين مزوّد صيني قائم ومستقر ومزوّد غربي تحيط به حالة من عدم اليقين.
ما البديل؟
بالنسبة للدول ذات الدخل المنخفض والمتوسط، يجب أن تحفّز اتفاقيات التجارة سوقًا عالمية تنافسية لمعدات تكنولوجيا الاتصالات، بحيث تتوفر لها خيارات متنوعة من المورّدين الدوليين. ويحظى هذا الأمر بأهمية بالغة بالنظر إلى أنه من المستبعد أن تتخلى الدول منخفضة الدخل عن الواردات التكنولوجية الأجنبية على المدى القريب. ومع ذلك، ينبغي أن تتمكّن هذه الدول من تبنّي تدابير سياسية تمكّنها من تطوير صناعاتها المحلية، بما في ذلك اتخاذ خطوات تساعد الصناعات الناشئة على الانطلاق وبناء جذور لها. وقد تكمن الجوانب الرئيسية لهذا التوجّه في ضمان عمليات نقل التكنولوجيا لبناء القدرات المحلية وتشجيع استخدام شبكات تكنولوجيا الاتصالات اللامركزية المبتكرة التي يمكنها توظيف قدر أكبر من الأجهزة والمعدات المحلية، فضلًا عن تعزيز التمويل التنموي العالمي.
إن منح أي دولة أجنبية حق تحديد معدات تكنولوجيا الاتصالات التي يحق لأي دولة شراؤها قد يثبت أنه خطوة تفتقر إلى الرؤية الاستراتيجية؛ فقد تؤثر سلبًا على جودة الحياة والنمو الاقتصادي والتنافسية في تلك الدول، علاوة على تقويضها للسيادة الوطنية. وعليه، يجب ترك الخيار لكل دولة لتحديد المعدات التي تتناسب على النحو الأفضل مع احتياجاتها الأمنية والمالية والتقنية وغيرها من المتطلبات. ومن شأن اعتماد نموذج كهذا أن يزيل القيود المفروضة على حيّز السياسات المحلية ويدعم مسار التقدّم نحو تحقيق أهداف المصلحة العامة المُتّفق عليها عالميًا.





