يتقدم الذكاء الاصطناعي في الوقت الذي تحاول التنظيمات والقوانين والمجتمع المدني أن تتبعها دون أي إجماع حقيقي
نُشر في الأصل في Global Voices الأصوات العالمية

من اليسار إلى اليمين: “مونيكا رينوسو” (مدافعة لبويبلو)، “سوسانا كادينا” (داتالات)، “كارلوس إ. فلورس” (أوبن لاب)، “ماركو إنسواتي” (مينتال) و”رفائيل بونيفاس” (الحقوق الرقمية). صورة: “أوبن لاب” إكوادور، استعملت بترخيص.
يُعد هذا المقال جزءًا من الملف الخاص لشهر أبريل/نيسان 2026 لجلوبال فويز بخصوص “المنظور البشري على الذكاء الاصطناعي”، الذي يسلط الضوء على الطريقة التي يُستخدم فيها الذكاء الاصطناعي في معظم بلدان العالم. يعالج هذا الموضوع أساسًا انعكاسات استعمال الذكاء الاصطناعي ووضعه تحت تصرف مختلف المجتمعات، وما يمكن أن تعنيه هذه التجربة في مجال الذكاء الاصطناعي بالنسبة للأجيال القادمة، وأكثر من ذلك. لدعم هذا المشروع، يمكنك التبرع هنا.
فلان يتفقد هاتفه وينقر سؤالاً ويحصل على إجابة في بضع لحظات. لا يعلم كيف يشتغل وما هي المعلومات التي سُربت ولا من يختفي وراء هذه الإجابة، ومع ذلك، يواصل في استعماله.
بالفعل، يدخل الذكاء الاصطناعي في الفروض المدرسية والقرارات المهنية والعمليات التي كانت تتطلب من قبل ساعات من العمل. يعطي نتائج. يندمج. يتطور. في الإكوادور، لا توجد سياسة منسقة في مجال الذكاء الاصطناعي فالمبادرات تتحرك بالأحرى بصفة منعزلة. تعرض كل من الوزارات والجمعية العامة (الكونغرس) والهيئات التنظيمية والسلك الجامعي اقتراحاتها وفق أولويات وجداول أوقات مختلفة. وبالتالي، ينبثق منها قوانين واستراتيجيات وتشريعات لا تتواصل مع بعضها البعض بل تتداخل دون وجود خطة واضحة مشتركة.
في الوقت الذي نجد تكنولوجيات الذكاء الاصطناعي متواجدة أكثر فأكثر في الحياة اليومية، غير أنه تبقى القرارات المتعلقة باستعمالها وحدودها والآثار المترتبة عنها جد بعيدة عن الأشخاص الذين يستعملونها.
في هذا السياق، اجتمع نهاية 2025، أكثر من 60 شخصًا في “فلاكسو” الإكوادور حول موضوع “الذكاء الاصطناعي والحقوق الرقمية: أفاق مختلفة في خدمة الصالح العام”، وهذا من أجل فتح نقاش والذي كان لحد الآن يقتصر على مجموعات محدودة.
نظمت “أوبن لاب” هذا اللقاء بالتنسيق مع “فوتورس كون إيا” و“ستيسي لاب” لفلاكسو إكوادور، بدعم من مشروع ممول من طرف “بروبوكس”. أتاحت هذه المبادرة بضم في المكان ذاته منظمات اجتماعية وجامعيين ومؤسسات عامة وكذا مختلف الفاعلين المشاركين في النقاش عن الذكاء الاصطناعي والحقوق الرقمية. ضمت المائدة المستديرة ديوان أمين المظالم (مؤسسة وطنية لحقوق الإنسان للبلاد) وهيئة الحقوق الرقمية و“داتالات” ووزارة الاتصال (مينتال).
بالإضافة إلى هذه المائدة المستديرة، شهد اليوم كذلك تنظيم مؤتمرات تهدف إلى توسيع النقاش وهذا بالتطرق إليه من زوايا مختلفة، فمثلاً، ركز “جوناتان فينلاي”، من منظمة “لاليبري”، النقاش حول الحاضر: يؤثر الذكاء الاصطناعي أصلاً في القرارات، دون أن يكون لنا مفهوم واضح عن تأثيراته. من جهتها، وجهت “مارتا تودون” من منظمة “المادة 19″، النقاش حول مراقبة واستعمال المعطيات والأخطار عن الحقوق في السياقات التي تفتقد إلى آليات مراقبة واضحة.
في “سيتي أس لاب” لفلاكسو، تم التطرق إلى المسألة بطريقة أخرى بفضل أداة “رام” (RAM)، المطورة من قبل اليونيسكو، فالأمر لا يتعلق بمعرفة كون ذكاء الاصطناعي على ما هو قادر على فعله، ولكن ما إذا كانت البلدان قادرة على تبنيه وتأطيره. تقوم هذه الأداة بتقييم التشريع والقدرات المؤسساتية وحماية الحقوق على مستوى استيعاب شعب بلد ما بغية تحديد إذا ما كانت هذه التكنولوجيات المتعلقة بالذكاء الاصطناعي يمكن استعمالها على صعيد واسع دون فقدان الرقابة على انعكاساتها.
خلال المنتدى المفتوح، وهو صيغة تساهمية حيث يحدد المشاركون والمشاركات مواضيع النقاش، تُرجمت هذه المسألة بحالات ملموسة. على المائدة المكرسة للحياة الخاصة، ذكر المشاركون مثلاً حالة عامل بمستشفى عمومي والذي في محاولة لتنظيم عمله وبغياب الأدوات المؤسساتية، قام بإدخال المعطيات الطبية الحساسة على منصة تابعة للذكاء الاصطناعي انطلاقًا من حساب شخصي. في الحالة الراهنة، لا يوجد أي تعليمات واضحة تخص هذا النوع من الاستعمال أو أي نظام مراقبة فعال حول الطريقة التي يتم معالجة وحماية هذه المعلومات.
في قطاع التربية، تتجلى المشكلة بطريقة مختلفة، بالفعل يلجأ الطلاب الآن إلى أدوات الذكاء الاصطناعي لإنجاز أعمالهم وتحرير مقالاتهم أو حتى لتكوين آراء دون استيعاب المحتوى كاملاً. بالتوازي وبغياب أدوات واضحة لإدماج هذه التكنولوجيات في مسار التعليم أو تشجيع استعمالها بطريقة ذكية ومسؤولة أكثر، يتردد جزء من المجتمع التربوي بين المنع الكامل والبسيط وبين مقاربة مرتكزة على مكافحة السرقات العلمية.
في مجال الإدماج والمساواة بين الجنسين، تناولت المناقشات موضوع الأنظمة الناتجة حاليًا انطلاقًا من معطيات تقصي معارف الشعوب الأصلية أو الشعوب ذات أصول إفريقية والمجتمعات المحلية. هذا له انعكاس ليس فقط في إعادة نقل هذه الغيابات في عملية اتخاذ القرار ولكن أيضًا في تعزيز شكل غالب في العلم، مركز على الرؤى الغربية والعلمية، والذي يقصي الأشكال الأخرى لفهم ومعايشة الواقع.
من وجهة نظر الحوكمة، أبرزت المحادثات مشكلة أساسية: مظهر الذكاء الاصطناعي الذي نرغب في تقنينه غير واضح بعد، هل يجب من الأفضل الاهتمام باستعماله وتطويره وبالاستثمارات والقرارات الآلية؟ في غياب هذا الوضوح، يضاف إليه مسألة التكيف مع الأنماط الخارجية دون الأخذ بعين الاعتبار السياق المحلي وخطر التقدم نحو إجراءات المراقبة التي تبدو مبالغ فيها بالنسبة إلى منظومة لا زالت في مرحلة التكوين. في هذا السياق، يمكن أن يتعرض التشريع إلى أكثر شمولية وأقل عمليًا وصعب تجسيده تطبيقيًا.
علاوة على هذه الموائد المستديرة، أخذ النقاش أساسًا شكلاً في الجمعية الوطنية، غير أنه وبالرغم من فضاءات المحادثات المفتوحة، لم تتمكن بالضرورة من جلب مشاركة واسعة. على مدى عام 2024، تلقت الجمعية العامة ثلاثة مشاريع قانون مرتكزة في كل واحد منها على مظاهر مختلفة مثل حماية المعطيات والشفافية أو أيضًا حقوق المؤلف، مرورًا بحماية الأطفال والمراهقين إزاء استعمال هذه التكنولوجيات.
مع ذلك، فمنذ دمج هذه المشاريع عن الذكاء الاصطناعي، لم يعرف النقاش تقدمًا ملحوظًا خلال هذه الأشهر. في مختلف المجموعات، شُرع في ذكر إمكانية تصنيف هذه المبادرة دون متابعة، ودون أن يكون في الآونة ذاتها منظور واضح فيما يخص مستقبلها.
في الوقت الذي يظل فيه هذا النقاش جامدًا، شرع فاعلون يمتلكون قدرات حقيقية للتأثير في تطوير واستعمال هذه التكنولوجيات في إحراز تقدم. وخلال المنتدى الاقتصادي العالمي لدايفوس، التقى الرئيس الإكوادوري بـ “ألكس كارب”، الرئيس المدير العام لـ “بلانتير”، إحدى المؤسسات الأكثر تأثيرًا في العالم في مجال تحليل المعطيات على صعيد واسع، كونها تعاونت أساسًا مع هيئات مثل CIA وFBI أو مصالح الهجرة الأمريكية، وقد طورت هذه المؤسسة خبرتها في إدخال حجم كبير من المعلومات لغايات أمنية واستعلاماتية.
مع إعلان افتتاح مكتب في الإكوادور، تأتي احتمالية تأسيس “بلانتير” في البلاد في الوقت التي لم تحدد بعد بوضوح القواعد، وهذا في مجال حيث يمكن للتكنولوجيات ذاتها أن تكون قادرة على تحسين الخدمات وكذا تطوير في الآن ذاته أنواع الرقابة التي يصعب التحكم فيها.
من جهة أخرى، قدمت الحكومة الإكوادورية بتاريخ 10 مارس/آذار 2026، “استراتيجية من أجل ترقية وتطوير واستعمال أخلاقي ومسؤول للذكاء الاصطناعي في الإكوادور”، المتبنية من طرف وزارة الاتصال والمجتمع المعلوماتي للبلاد بدعم من BID واليونيسكو. يستعرض هذا الاقتراح خارطة طريق على مدى أربع سنوات، مركزة على ثلاثة محاور: الحوكمة، القدرات البشرية والتكنولوجيا، التبني والتطوير. هدفها واضح: عدم جعل الذكاء الاصطناعي مقتصرًا على الأقلية، ولكن أداة في خدمة المواطن والدولة والتطور الإنتاجي.
في هذا السياق، بدأت نتائج أشغال اجتماع شهر أكتوبر/تشرين الأول، المحددة في التقرير المعد انطلاقًا من اجتماع هذه الموائد المستديرة المواضيعية، في الانتشار بين المشاركين، كما تم إرسالها إلى وزارة الاتصال، هيئة موجهة، وكذا ديوان أمين المظالم، في الوقت الذي أصبحت هذه التكنولوجيات متناولة أكثر فأكثر في النقاشات حول الحقوق الرقمية وحماية الحقوق البشرية.
بين الاستراتيجية والتشريع العالق والتبني المتنامي لهذه التكنولوجيات، يتقدم البلد في سياق لا يزال غير مستقر حيث التطور يتقدم بسرعة أكثر من التعريف بحدودها.






