‘سنواصل النضال حتى يصغي العالم إلى أصواتنا وندعوكم للانضمام إلينا’
نُشر في الأصل في Global Voices الأصوات العالمية

رسم توضيحي رقمي: سيري تشاي أسوالابسَكول بموجب ترخيص فيكتيزي.
أُعد هذا المقال بقلم سام مارتش، بالتعاون مع حركة المناهضة العالمية لانعدام الجنسية (GMAS)، شريك محتوى جلوبال فويسز. يُعد هذا المنشور جزءًا من سلسلة “في دائرة الضوء” لشهر يوليو/تموز عن موضوع “انعدام الجنسية”. هذه السلسلة تركز على قضية انعدام الجنسية وكيف تحد من حرية التنقل للأشخاص، الفرص التعليمية، الوصول السياسي وغيرها. يمكنك دعم هذه التغطية بالتبرع هنا.
على بعد أكثر من 50 ألف كيلومترًا (31 ألف ميل) عن الأرض، بدت جبال الألب كعكة شوكولاتة ضخمة تعلوها تعرجات مزينةً بالسكر. كانت الحرارة في الخارج تبلغ 50 درجة مئوية تحت الصفر، ومع خوفي الشديد من المرتفعات اعتقدت بأنني سأكون خائفًا للغاية، ولكن على نقيض ذلك تمامًا لم أكن. رغم أن قلبي لم يخفق بشدة عندما كنت معلقًا في منتصف السماء، إلّا أنه كان يتنفض هلعًا عندما وقفت أمام كابينة فحص جوازات السفر.
أن تُولد عديمًا للجنسية، يعني أن تفقد كامل حقوقك كإنسان. اعتدت أن أخشى أمورًا يحوز عليها الآخرين بعفوية ودون عناء. بدأت الرحلة عندما دُعيت لأمثل الحركة العالمية لمناهضة انعدام الجنسية خلال فعالية المنتدى العالمي للاجئين (GRF) في جنيف، سويسرا. في الواقع، حصلت مؤخرًا على وثيقة السفر بعد خمسة سنوات من المعاناة ولكنني شعرت بالحزن الشديد عندما رأيت تاريخ ومكان الولادة فارغَين شعرت بأنني ساهمت في إزالة أجزاء من هويتي. على الرغم من ذلك، عندما حظيت بهذه الفرصة كنت أشعر بالفرحة الغامرة معتقدًا بأنني سأستطيع تحقيق حلم السفر “بسهولة”.
في الحقيقة، كنت مخطئًا.
العقبة الأولى: المعلومات المضللة والتناقض. في المقام الأول، أردت أن أبحث لأعرف إن كنت مؤهلًا للتقديم أم لا. رغم إتاحة موقعي السفارة والتأشيرات الإلكترونيين خيار (عديم الجنسية) حيث تمكّنت من تعبئة النموذج بسلاسة، للأسف تُركت منتظرًا خلال موعدي لساعات طويلة. في نهاية المطاف، تم رفض طلبي لعدم قبول وثيقة سفري من قبل السفارة. وثيقةٌ يفترض أن تمنحني حق السفر، لم تمكنني حتى من تقديم طلب تأشيرة. يا لها من مفارقة لا يولدها سوى التفاوت الجائر بين الدول!
صحيح أنني في النهاية وصلت إلى وجهتي، لكن سر نجاحي في تجاوز حواجز انعدام المساواة يكمن في ما حظيت به من استثناءات وتسهيلات. بفضل بعض المساعدة والرسائل التي تلقيتها، تحصلت على تأشيرة محدودة النطاق. كان مزيجًا من الفرح والأسى. كنت سعيدًا لحصولي على التأشيرة ولكنني شعرت بحزن شديد كلما ذكرني الجميع بأنني كدت ألا أحصل عليها، ولولا تلك المساعدات الاستثنائية لما تمكنت من الوصول إلى جنيف. أحسست بأنني نكرة أو إنسان ناقص، ضئيل الشأن ومُهان.
أمّا العقبة الثانية: التجاهل. حان الآن وقت حجز تذكرة السفر. بدا الأمر أشبه بفيلم كوميديا سوداء يجبرك على الضحك في حين أن كل ما يستدعيه الموقف هو البكاء. فعندما حاولت الاستفسار من شركة الخطوط الجوية إن كان مسموحًا لي الحجز بصفتي عديم الجنسية، تم توجيهي إلى صفحة “الاحتياجات الخاصة” لأحدد إن كنت بحاجة إلى مقدم رعاية أو لكرسي متحرك. بصراحة، شعرت بالذهول كيف لشركة طيران جوية تتعامل مع الملايين من الركاب حول العالم ألّا تعرف أدنى معلومة عن فكرة عديم الجنسية في حد ذاتها، وبالتالي لن تستطيع تلبية احتياجاتهم أو تيسير سفرهم. وصلت إلى طريق مسدود مع الموقع فتوجب علي أن أتصل. ظل موظف خدمة العملاء يعيد نفس الرد “يجب على الراكب أن يكون لديه حق الدخول إلى بلد الوجهة”، رغم أن هذا كان إيجابيًّا إلّا أنه جعلني غير متأكد بدون أيّة إجابة واضحة. في حالة ارتباك، قمت بالحجز في جميع الأحوال. زد على ذلك، بما أنه لاتوجد رحلة مباشرة إلى بلد الوجهة، فحكاية بلد العبور كانت كوميديا مضحكة أكثر من سابقتها.
أنا شخص أمضى حياته في رعب. وبما أنني اعتدتُ التفكير بهذه الطريقة، لم أرغب أن أحجز في دولة أجنبية دون مساعدة. فقمت بالتواصل عبر الإيميل الإلكتروني مع سفارة دولة العبور أبحث عن رد لإيقاف صوت الخوف بداخلي. وتم الرد بطريقة مبهمة تفيد بالتالي: إن بقيت في منطقة العبور ينبغي أن تكون بخير، ولكن لانعرف ما الذي ستقرره سلطات الهجرة عند الحدود.
كان هذا تجاهلًا تامًّا، لأنهم لم يريدوا أن يتحملوا المسؤولية مطلقًا. إن كان كلًّا من السفارة والخطوط الجوية لايعرفون الإجابة إذًا من ينبغي أن يوجه المسافرين عديمي الجنسية.
فكرة السفر بوثائقٍ لعديم الجنسية هي عبارة عن رحلةٍ لاكتشاف المجهول. بعد كل الإجابات عديمة الفائدة والمحاولات الفاشلة، قلت لنفسي يجب أن أتشجع وأخوض الأمر. كانت الرحلة مليئة بلحظات الخوف، أرتقب رفض الجهاز لبطاقة صعودي وأتحدث مع نفسي كيف سأشرح للوجوه المتسائلة خلف كل مكتب لتسجيل الوصول ماذا يعني أن تكون عديم الجنسية، والسؤال الأكثر طرافة: “ماهي جنسيتك؟”
لقد كان الأمر مرهقًا. أصبح الحلم كابوسًا، وكذلك يصبح كل شيء عندما تكون عديم الجنسية. وبعد طول انتظار، المحطة الأخيرة، كابينة فحص جوازات السفر. اقتربت ببطئ مذعورًا كرجل مدان متوجهًا إلى منصة الإعدام. كل الوجوه حولي تبدو إما متحمسة أو متعبة. كنت محاصرًا بين بحر الجموع ورائي والكابينة أمامي – لا مهرب إلا التقدم للأمام. وهاقد حان دوري، هاهي لحظة الحسم إما أن أحقق حلمي و إما السجن، أنظر إلى الشخص التالي متمنيًّا أن ينقذني. وصلت إلى الكابينة ممسكًا بتأشيرتي ونقودي وأتنفس بهدوء.
لحسن حظي، الأمر الوحيد الذي مكنني من اجتياز كل شيء هو أن الموظف كان متعبًا للغاية فلم يركز كثيرًا، سألني: أين تود أن أضع الختم؟ وكانت دعابة طريفة أخرى. هاهو شخص آخر يفتقر إلى الدراية بكيفية التعامل مع مسافرعديم الجنسية.
وصلت أخيرًا إلى جنيف، كان الأمر أشبه بتسلق جبل ايفرست ولكنني لم استمتع بتحقيق الفوز. كنت محبطًا، غارقًا في ذكريات الذل واثبات الذات المهين فيما يلغبني النعاس رويدًا رويدًا في أول ليلة في أوروبا.
الآن وبينما أكتب وأكشف عن كل تفصيل، أحاول أن أجد سببًا منطقيًّا للمعلومات المضللة والتجاهل الذي تعرضت له خلال الرحلة. الأسئلة تجول في ذهني، لمَ كل هذا، لماذا لايدري أحد عن وجودنا؟ والإجابة واضحة وبسيطة: تستخدم الحكومة وثيقة السفر للرصد والمراقبة وليس لضمان أية حقوق لحامليها – الأفراد عديمي الجنسية -. حيث تفترض الحكومة أن هؤلاء الأشخاص ينتمون لمجموعة معينة التي لن ترَ طائرة مطلقًا ولن تحصل على فرصة للسفر إلى أي مكان – عقلية استعلائية تمجد عدم المساواة، ولا يزال علينا مواجهتها والتصدي لها. ومع البايوقراطية والطمع في المال، لاترى السفارات أو شركات الخطوط الجوية جدوى من مراعاة احتياجاتنا أو حتى محاولة تزويدنا بإجابات صحيحة.
في الختام، لا بد لي من التأكيد على أن انعدام الجنسية، وإن كان عبئًا نتحمله دون ذنب اقترفناه، أمرٌ يكشف عن إخفاق الدول التي ترفض الالتزام بحقوق الإنسان. سنواصل النضال حتى يصغي العالم إلى أصواتنا وندعوكم للانضمام إلينا. فهذه ليست حالة استثنائية، إذ يُقدر عدد الأشخاص الذين يعيشون في ظل هذا الوضع، بل وفي ظروف أشد قسوة، بنحو 15 مليون شخص. وربما قد تكون التالي. انضموا إلينا في الكفاح من أجل القضاء على مشكلة ما كان ينبغي لها أن توجد من الأساس. ابحثوا عن السبل التي يمكنكم من خلالها تقديم المساعدة. انعدام الجنسية ليست قضية تتعلق بفئة معينة بل هي قضية كل انسان.






