إن مسألة كيفية استيعاب المعاناة بسرعة، وبشكل عاطفي، ودون عمق هي موضوع العمل بقدر ما هي محتواه
نُشر في الأصل في Global Voices الأصوات العالمية

أمال خلات، رسمٌ على إناء تجميل من صدفة “الترايداكنا”، 2023. 34 × 49 سم (13.4 × 19.3 بوصة). ألوان مائية وحبر أرشيفي على ورق “آرش” زنة 300 جرام لكل متر مربع. الصورة بإذن من الفنانة.

الفنانة اللبنانية-البريطانية أمال خلات في الاستوديو الخاص بها بلندن، 2025. الصورة بإذن من الفنانة.
تلقّت خلات تعليمها في مدرسة بينينغن (Penninghen) بباريس والكلية الملكية للفنون بلندن، حيث نالت درجة الماجستير في المطبوعات الفنية مع مرتبة الشرف، لتبني ممارسة فنية تتحرك بسلاسة بين التركيب، والنحت، والطباعة، والفيديو، والصوت، وكتب الفنانين. وتعتمد أعمالها على الإخفاء، والإنعكاس، والمسافة المسرحية، والبروز المادي للمادة بدلًا من التمثيل المباشر.
تقول الفنانة: “إن الصورة المباشرة للمعاناة تفعل شيئًا محددًا للغاية بالمتلقي؛ إذ تولّد استجابة عاطفية فورية سرعان ما تنطفي كما اشتعلت. تشعر بشيء ما، ثم تمضي في حال سبيلك، وكأن العمل الفني قد أدى مهمته وتحلّل منك”. وبدلًا من ذلك، تبدع خلات أعمالًا تأبى أن تمنح المتابِع ذلك التحلل أو الفكاك، محرضةً إياه على المكوث مع مشاعر الانزعاج، والغموض، والأسئلة الشاقة حتى بعد مغادرته المعرض بزمن طويل.
في هذا الحوار مع منصة جلوبال فويسز، تتأمل خلات في سياسات الأرشيفات والمتاحف، وأخلاقيات تجسيد الحرب والنزوح، والحدود التي تقف عندها الصور التوثيقية، والعلاقة الجدلية بين المادة والوسيط والذاكرة، فضلًا عن الدور الذي يمكن للفن أن يضطلع به حين تعجز اللغة السياسية والاستجابات الإنسانية عن أداء دورها.

تم إنشاء عمل «أرشيف الصمت» للفنانة أمال خلات خصيصًا للمعرض الجماعي «تأثير المدخل»، وعُرض في معرض «ذا هاندباغ فاكتوري» بلندن، المملكة المتحدة، في عام 2025. 210 × 210 × 185 سم (82.7 × 82.7 × 72.8 بوصة). خشب رقائقي محفور، خشب MDF، خشب، معدن، طباعة بالأشعة فوق البنفسجية على لوح أكريليك، مغناطيس، لوح مرآة أحادي الاتجاه، كرسيان، طاولة، صورة فوتوغرافية، صندوق أرشيفي. الصورة بإذن من الفنانة.
فيما يلي مقتطفات من المقابلة:
أوميد ميماريان (أ.م.): في عملك “أرشيف الصمت” (2025)، تُصوِّر متحفًا حربيًّا يُعدُّ معرضًا برعاية إحدى شركات تصنيع الأسلحة، مع كرسيين فارغين، وحاجز قابل للطي، وجمهور “عالق عند المدخل” بصفته شاهدًا وشريكًا في الوقت نفسه. يصف بيانك الصمت ليس على أنه غياب، بل كشيء يُعاد بناؤه من خلال المحو والذاكرة والإنكار والمشاهدة. في وقت تتكشف فيه الحروب في الوقت الحقيقي أمام جمهور عالمي، كيف فكرت في الصمت كقوة فاعلة، كشيء يتكلم أو يتهم أو يحمي أو يورط؟
أمال فريحة خلات: الصمت، في هذا العمل، ليس غيابًا للصوت أو الكلام، بل هو الشرط الذي يجعل أمورًا بعينها ممكنة الحدوث؛ إنه ذاك الإنكار الذي يتخفى في عباءة الكرامة، والنسيان الذي يقدّم نفسه كخطوةٍ نحو الأمام. إن متحف الحرب في هذه الحبكة ليس مكانًا يسوده الصمت؛ بل هو مكانٌ يعج بالنشاط والحركة، ومؤسسيٌّ إلى أبعد حد، ومشغولٌ للغاية بكيفية عرض المقتنيات وتنسيقها. أما الصمت الحقيقي، فهو ملكٌ لما لم يُعرض، وما لم يُجمع، وما لم تحظَ رعايته بالدعم والتأطير.

أمال خلات، “أرشيف الصمت”؛ تم إنشاء هذا العمل خصيصًا للمعرض الجماعي “تأثير المدخل” وعُرض في معرض “ذا هاندباغ فاكتوري”، لندن، المملكة المتحدة، في عام 2025. 210 × 210 × 185 سم (82.7 × 82.7 × 72.8 بوصة). خشب رقائقي محفور، خشب MDF، خشب، معدن، طباعة بالأشعة فوق البنفسجية على لوح أكريليك، مغناطيس، لوح مرآة أحادي الاتجاه، كرسيان، طاولة، صورة فوتوغرافية، صندوق أرشيفي. الصورة بإذن من الفنانة.
أنا مهتمة أيضًا بصمت الجمهور. تلك اللحظة التي يقف فيها المرء أمام شيء صعب ويختار كيف يتصرف، هل يجلس، أم يقرأ النص المسرحي، أم ينظر في المرآة، أم يبتعد. كل هذه أشكال من أشكال الشهادة. العمل لا يطلب منك أن تشعر بشيء معين. بل يطلب منك أن تلاحظ ما تفعله عندما يُتاح لك الاختيار.

أمال خلات، “شهادة لاجئة” II – Que Sera Sera، ما سيكون سيكون”، 2018. أبعاد متنوعة: جذر شجرة كرز، 16 قطعة من الراتنج الكهرماني، خشب رقائقي، لوح MDF، خشب، طباعة شبكية على 5 لوحات أكريليك، فيلم نافذة مرآة أحادية الاتجاه، شاشة عالية الدقة ومشغل، سماعات رأس وكراسي مدرسية. الصورة بإذن من الفنانة.
أمال فريحة خلات: ينطبع تحذير سونتاغ في ذهني منذ أن قرأته للمرة الأولى: “الصور لا تتحدث عن نفسها”. إنها بحاجة ماسة إلى سياق تاريخي وسياسي وأخلاقي، ومن دون هذا السياق، تتحول حتى الصورة الأكثر تأثيرًا وقوة إلى مجرد زينة، أو ما هو أسوأ؛ إلى محض مشهدية استعراضية.

أمال خلات، “شهادة لاجئة (1) – وقت الأسئلة”، 2017. عُرضت في مشروع كافيه غاليري، لندن، المملكة المتحدة، 2018. أبعاد متنوعة: جذر شجرة كرز، خشب رقائقي، تسع قطع من الراتنج الكهرماني، كراسي مدرسية ومصابيح لوحة. الصورة بإذن من الفنانة.
ما لا يمكن للتكوين الأكاديمي أن يمنحك إياه هو الموضوع ذاته؛ فهذا يأتيك من منبعٍ آخر، من الذاكرة، ومن الجغرافيا، ومن التجربة الخاصة للعيش بين عالمين دون الانتماء الكليّ لأي منهما. الأكاديمية تمنحك الأدوات والوسائل، أما الحياة فتهبك الضرورة والدافع.

أمال خلات، “شاشات مشربية”، 2022. طباعة حريرية على ألواح أكريليك مثبتة على إطارات فولاذية. الصورة بإذن من الفنانة.
أمال فريحة خلات: أنا لا أختار الوسيلة أولًا. فالوسيلة تأتي مع الموضوع، أو أحيانًا بعد أن يكون الموضوع قد ظل يدور في دوائر لفترة طويلة دون أن يجد شكله.
كان لا بد أن تكون “شاشة المشربية” عبارة عن طبعة. فعملية التخفيض — أي النحت والإزالة والكشف — هي موضوع العمل بقدر ما هي الصورة نفسها. فلا يمكن فصل الأسلوب عن المعنى. فالتخفيض في الطباعة باللينوكت هو في حد ذاته فعل محو وكشف.
كان ينبغي للغابة أن تتجسد في صورة عملٍ نحتي؛ إذ لا يمكنكَ طباعة جذر شجرة، ولا بوسعك اقتناص ثقل الخشب وشمع العسل والفولاذ عبر العدسة. إن مادية العابر والزائل — السحابة التي استحالت حجرًا، والغابة التي أُعيد إنشاؤها وفق قوانين رياضية — تتطلب حضورًا ملموسًا وجسديًا بالضرورة؛ فالمرء يحتاج إلى أن يتواجد في الغرفة ذاتها التي يحتويها الكيان الفني.
كان لا بد أن تكون الشاشات — المصنوعة من الأكريليك والمرآة والغشاء أحادي الاتجاه — شفافة وعاكسة في آن واحد. كان لا بد أن يرى المشاهد نفسه في العمل. وهذا ليس استعارة. إنه مطلب مادي.
الكراسي، وصناديق المحفوظات، والأرضيات المنقوشة — هذه ليست مجرد خيارات زخرفية. إنها أسئلة تجسدت في شكل مادي. فالكرسي الذي يفتقر إلى المقعد لا يمكن الجلوس عليه. والصندوق الذي لا يمكن فتحه يحمل صمتًا أعلى صوتًا من أي شيء قد يحتويه. فالمادة هي دائمًا الحجة.

أمال خلات، «مشربيات، الرحلة المحفوفة بالمخاطر». سلسلة الصحف، 2018. سلسلة من تسع طباعات لينو على ورق صحف. الصورة بإذن من الفنانة.
أوميد ميماريان: يبرز الخيط الممتد عبر ممارستكِ الفنية في مفهوم الشاشة : المشربية التي تكشف وتحجب في آن، واللوح المطوي، والمرآة أحادية الاتجاه، والسطح المطبوع، والخشبة، والجدار الرابع. ما الذي تتيحه لكِ الشاشة لتقوليه عن فعل النظر والمشاهدة، لا سيما في عصرٍ تتداول فيه صور الحرب واللاجئين والكوارث بلا انقطاع، دون أن تفضي بالضرورة إلى الفهم أو تدفع نحو الفعل؟
أمال فريحة خلات: إن الشاشة هي المتطلب الحاكم لزماننا هذا؛ فنحن نعيش خلف الشاشات، ونرقب العالم عبرها، ونُشَاهَدُ من خلالها. فالصورة المشبعة بالحرب، وباللاجئين، وبالفواجع، لا تصلنا إلا عبر شاشةٍ يؤطرها الاقتصاص، وتصوغها المعالجة، وتستقر تحتها الشروح، قبل أن تطويها حركة إبهامٍ سريعة إلى الأعلى.
ما تتيحه لي “مشربية الشاشة” من قولٍ، هو أن هذا الأمر ليس بالوليد أو المستحدث؛ فوساطة فعل النظر — الشاشة التي تكشف وتحجب في آن، والتي تصون وتحجب في الوقت ذاته — عريقةٌ بعرق المعمار ذاته. وإن تلك الرغبة في أن تَرَى دون أن يُلتقط بصرُك، قديمةٌ بقدم النظرة الإنسانية الأولى.
أما الجديد الطارئ هنا، فهو السرعة؛ فصورة المعاناة التي تتبدى على الشاشة اليوم تتلاشى غدًا، لتستبدل بها صورة أخرى لا تقل عنها إلحاحًا ولا نصيبًا من النسيان. إن الشاشة تخلق زَمَنًا حاضرًا متواصلًا، لا يتراكم فيه شيء، ولا يترسب فيه معنى، ولا يرتقي فيه حدثٌ ليصير تاريخًا.
إن الشاشات التي أبتكرها تُبطئ إيقاع تلك السرعة؛ فلُحمة المشربية وتشبيكها يتطلبان حشدًا من الانتباه، حيث يتوجب عليك النفوذ ببصرك من خلالها لا مجرد إلقاء النظر عليها. أما المرآة أحادية الاتجاه فتعكس لك صورة ذاتك وأنت تمارس فعل النظر، في حين يُلزمك اللوح المطوي بالحركة من حوله لتبحث لنفسك عن موضعٍ وموقف. إن هذه السطوح ليست كياناتٍ سلبية، بل هي مساحاتٌ للتفاوض بين المتلقي وما يقع عليه بصرُه.
في زمنٍ تتدفق فيه صور الحرب بلا انقطاع دون أن تفضي إلى فهمٍ أو تحرّكٍ نحو الفعل، يُثيرني الساتر الذي يُجبرك على التوقف؛ الساتر الذي يضعك وجهًا لوجه أمام وعيك بفعل نظرك ذاته، فلا يكتفي بسؤالك عما تراه، بل عما يتكلفه بصرك لكي يرى، وعما اخترتَ — بمحض إرادتك أو دون درايةٍ منك — ألا تراه مطلقًا.

أمال خلات، “النسيج السماوي”، 2025، عُرضت في غاليري هاندباغ فاكتوري، لندن. 30 × 45 × 1.5 سم (11.8 × 17.7 × 0.6 بوصة). أربع وعشرون طباعة لينو على خشب رقائقي مغطى بفرق ورق الصحف. كتابان فريدان للفنان يتكونان من 12 طباعة لينو وطباعة حريرية على ورق “آرش”، مثبتة ومجلدة على هيئة الأكورديون (كونسرتينا)، مع غلاف يدوي الصنع عند الإغلاق. سلسلة من طباعات اللينو على ورق “آرش” داخل صناديق أرشيفية. الصورة بإذن من الفنانة.
أوميد ميماريان: تبدو أعمالكِ وكأنها صُمّمت بقصدٍ واعيٍ لتقود الجمهور نحو الوعي، أو التعاطف، أو حتى الصحوة واليقظة، دون الاعتماد على الصور الصريحة أو الصدمة البصرية المباشرة. بدلًا من ذلك، توظفين “المواراة والاحتجاب، والمسافة المسرحية، والزخرفة، والانعكاس، والمحو”. كيف وصلتِ إلى مرحلة الثقة بهذا النهج الأكثر هدوءًا وتعددًا للطبقات، وما الذي تعتقدين أنه يطلبه من المتلقي مما قد لا تطلبه الصورة الأكثر مباشرة؟
أمال فريحة خلات:لم أصل إلى هذا النهج عبر قرارٍ نظري؛ بل وصلتُ إليه عبر بوابة الإخفاق، وعن طريق إنجاز أعمالٍ سادها التباشرُ المفرط، والتوضيحُ الزائد، والاقترابُ الشديد من الصورة التي كانت تحاول مساءلتها في الأصل.
الصورة المباشرة للمعاناة تُحدث أثرًا محددًا للغاية في نفس المتلقي؛ إذ تولّد استجابة عاطفية لحظية سرعان ما تنغلق بقدر ما انفتحت خاطفةً. تشعر بشيءٍ ما، ثم تمضي في حال سبيلك؛ وكأن العمل قد استنفد غايته، وخلّى سبيلك لتتحرر منه.
كنتُ أصبو إلى إنجاز أعمالٍ لا تُخلي سبيل المتلقي بتلك السهولة، أعمالٍ تبقيه حبيسًا في صميم السؤال بدلًا من أن تُهدي إليه إجابةً جاهزة. إن المواراة، والمسافة، والزخرفة، والانعكاس — ليست سُبُلًا للفرار من الموضوعات الشائكة المعقدة، بل هي أدواتٌ لاحتجاز الناظر داخل نطاق المشقة والصعوبة، لوقتٍ يكفي لأن يشعر بوطأتها حقًَا.
إن “شاشة المشربية” هي النموذج؛ فهي لا تكشف لك عن كل شيء، بل تعرض لك قدرًا يكفي فقط لإذكاء رغبتك في استكشاف المزيد. إنها تصون وتحجب في آنٍ واحد. وهنا يتوجب على المتلقي أن يبذل شيئًا من الجهد؛ وفي غمار بذله لهذا الجهد، يغدو جزءًا لا يتجزأ من الكيان الفني، ليصبح فعل النظر لديه هو موضوع العمل وذاته.
أما الثقة بهذا النهج، فلم تأتِ إلا ببطء؛ جاءت من مراقبة الجمهور داخل فضاء المعرض ، وملاحظة تلك اللحظات التي يتوقفون فيها، أو يدنون أكثر، أو يجلسون. فَالعملُ الذي استوقفهم واستحوذ عليهم لأطول أمد، لم يكن أبدًا ذلك العمل الذي يصرخ في وجوههم.
أوميد ميماريان: بصفتكِ فنانة لبنانية بريطانية تتخذ من لندن مقرًا لها، كيف تتسرب الحرب والتهجير والتاريخ المفتوح غير الملتئم للمنطقة إلى ثنايا عملكِ الفني، لا بوصفها مجرد سيرة ذاتية، بل كطرحٍ فني وأخلاقي أوسع نطاقًا؟ وما الذي يمكن للفن أن يقدمه حين تعجز اللغة السياسية، أو عندما تعرقل الاستجابةَ الإنسانية مسافاتُ البعد، أو مشاعرُ الإجهاد، أو حالةُ اللامبالاة؟
أمال فريحة خلات:لبنان ليس موضوعًا أختاره بملء إرادتي، بل هو الشَّرْط والحالة التي أبصرُ العالم من خلالها. لم تكن الحرب الأهلية مجرد حدثٍ ألمَّ بلبنان وأنا أرقبه عن بُعد، بل كانت الهوى، والصوت، والتفاوض اليومي الدؤوب بين تفاصيل الحياة العادية ووطأة العنف الاستثنائي؛ فتتعلم، منذ غضاضة أظفارك، كيف تحتضن كلا الأمرين في آنٍ واحد.
ولم يغير العيشُ في لندن هذه الرؤيةَ أو يطمس معالمها؛ بل إن الإقامة هنا — إن غيرت شيئًا — فقد رهفت خبرتي في مراقبة الحرب عن بُعدٍ يحمل في طياته أقصى درجات الحميمية، وفي قراءة الأنباء عن أرضٍ تحملها في وجدانك، وفي التنقل الدائم بين عالمٍ لا يعرف وطنك إلا بوصفه أزمةً مستعرة، وبين الوطن ذاته بكل ما يزخر به مما هو أرحب وأعمق بكثير من ذلك الإطار الضيق.
إن ما يسعه الفنُ أن يقدمه حين تخبو اللغة السياسية وتخفق ليس بالإجابة؛ فاللغة السياسية تفشل لأنها تستميت في سبيل استجلاب التوافق، وحشد الإجماع، ودفع عجلة الفعل. أما الفن، فلا يقع تحت طائلة الإلزام بإنتاج أيٍّ من ذلك؛ إذ بوسعه أن يستقر في قلب التناقض ويستكنّ فيه، وأن يبقي باب السؤال مُشرعًا على مصراعيه، وأن يجعل المتلقي يستشعر ثقل أمرٍ ظل يرقبه من مسافةٍ آمنة، دون أن يملي عليه ما ينبغي له فعله حيال ذلك.
إن تلك المسافات، وهذا الإجهاد، وذاك التبلد — ليست مشكلاتٍ تبحث عن حلول؛ بل هي الشروط والظروف القائمة التي يتحتم على العمل الفني أن يخوض غمارها ويعبر من خلالها.

أمل خلات، “صياغة مسار الذاكرة 2، الرائحة الكريهة للحقيقة”، 2017. غاليري هوكني، لندن. الصورة بإذن من الفنانة.
أوميد ميماريان: كيف كانت استجابة الصالات الفنية، والمعارض، والمؤسسات، والمقتنين للأعمال التي تتمتع برصانةٍ وشكلٍ متأنق، لكنها مشحونةٌ في الوقت ذاته بأبعادٍ عاطفية وسياسية؟ هل تشعرين أن عالم الفن أضحى أكثر انفتاحًا على الأعمال المنغرسة في المعاناة الإنسانية الراهنة والانكسارات التاريخية، أم أنه ما زال يفضل استقبال الموضوعات الشائكة عبر قوالب من التجريد، أو الجمال، أو المسافة النائية؟
أمال فريحة خلات:عالم الفن معقدٌ للغاية؛ فقد آثر دومًا أن تصله الموضوعات الشائكة الشديدة متزينة برداء الجمال، وأنا أتفهم دوافعه في ذلك؛ فالجمال يُبطئ كَبْوة المتلقي ويستمهل خطاه، مهيئًا بذلك مناخًا لمواجهةٍ أكثر عمقًا وقسوة. ومن هنا، فإنني أتوسل بالجمال عن عمدٍ وقصد، ولهذا السبب تحديدًا.
لكن الجمال يحمي المؤسسة أيضًا؛ فالعمل الفني عن الحرب، متى ما اتسم برصانة القالب وأناقة الشكل، يغدو قابلًا للاقتناء والعرْض والثناء دون أن يُلزم المقتني أو المؤسسة باتخاذ موقفٍ سياسي مُحدد. وأنا على وعيٍ تام بهذا التنازع والتوتر؛ لا أعتقد أنه أمْرٌ يسهل حسمه أو حله، بل إنني أعملُ من خِلاله وفي طيّاته.
أمَّا بشأن ما إذا كان عالم الفن أضحى أكثر انفتاحًا على الأعمال المنغرسة في المعاناة الإنسانية الراهنة، فلستُ جازمةً بخصوص ذلك. ثمة لحظاتٌ يشوبها انفتاحٌ صادق، وتأتي عادةً في أعقاب أزمةٍ بعينها تبلغ ذروة التجلي والوضوح في الفضاء العام؛ غير أن الانفتاح شيءٌ، والالتزام المستدام شيءٌ آخر تمامًا. فالقضية لا تكمن في مدى إمكانية عرْض الأعمال الشائكة ذات الأثر الصعب، بل فيما إذا كانت ستظل تُعرض، وتُقتنى، وتُطرح للنقاش والسجال حتى بعد أن تتوارى الأزمةُ عن أروقة الصدارة وصفحات العناوين الرئيسية.






